سهيل زكار
498
تاريخ دمشق
الهجاء مجيد فيه ، لا يكاد يسلم من مقاطيع هجائه : منعم عليه ، ولا مسيء إليه ، وكان طبعه في الذم أخف منه في المدح وكان يصل بهجائه ، لا بمدحه وثنائه . ووصل إلى دمشق الأديب أبو عبد الله محمد بن [ نصر بن ] « 1 » صغير القيسراني الشاعر من حلب يوم الأحد الثاني عشر من شعبان سنة ثمان وأربعين باستدعاء مجير الدين له ، وحضر مجلسه وأنشده قصيدة حبرها يائية ، مقيدة حسنة المعاني والمقاصد ، فاستحسنها السامعون واستجادها ، وشفعها بغيرها ووصله أحسن صلة واتفق عوده إلى منزله ، فعرضت له حمى حادة ، وجاء معها إسهال مفرط قضى نحبه في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة ، وكان أديبا شاعرا مترسلا فاضلا ، بليغ النظر ، مليح المعاني ، كثير التطبيق والتجنيس ، وله يد قوية في علم النجوم والأحكام والهيئة ، وحفظ الأخبار والتواريخ ، وكان بينه وبين أبي الحسين أحمد بن منير على قديم الزمان مشاحنات ، حرص معها على الإصلاح بينهما فما تهيأ ذلك لمن رامه ، وكان بينهما هذه المدة اليسيرة . وكان قد ورد من بغداد إلى دمشق في أوائل سنة ثمان وأربعين وخمسمائة الشيخ الإمام الفيلسوف أبو الفتح ابن الصلاح ، وكان غاية في الذكاء ، وصفاء الحس ، والنفاذ في العلوم الرياضية : ( 175 و ) الطب والهندسة والمنطق والحساب ، وفنون النجوم والأحكام والمواليد ، والفقه وما يتصل به ، وتواريخ الأخبار والسير والآداب ، بحيث وقع الإجماع عليه ، بأنه لم ير مثله في جميع العلوم ، وحسن الخلق ، ونزاهة النفس ، بحيث لا يقبل من أحد من الولاة صلة قلت أو كثرت ، واتفق للحين المقضي أنه عرض له مرض حاد ، ومعه إسهال مفرط أضعف قوته ، أقام
--> ( 1 ) أضيف ما بين الحاصرتين من خريدة القصر وجريدة العصر للعماد الأصفهاني الكاتب - قسم شعراء الشام - ط . دمشق 1955 : 1 / 96 ، وفي هذا الجزء حديث مطول عن كل من ابن منير والقيسراني : 76 - 160 .